العيني

6

عمدة القاري

السير . قوله : ( فأصبنا ) أي : وجدنا ، وهذا يدل على أن الذين توجهوا في طلبه أولاً لم يجدوه . فإن قلت : وفي رواية عروة في الباب الذي يليه : ( فبعث رسول ا ، رجلاً فوجدها ) . أي : القلادة . وللبخاري في فضل عائشة من هذا الوجه ، وكذا لمسلم : ( فبعث ناساً من الصحابة في طلبها ) ، وفي رواية أبي داود ( فبعث أسيد بن حضير وناساً معه ) . قلت : الجمع بين هذه الروايات أن أسيداً كان رأس من بعث لذلك ، كما ذكرنا ، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره ، وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم . وهو المراد به ، وكأنهم لم يجدوا العقد أولاً ، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم ، وأرادوا الرحيل وآثاروا البعير وجده أسيد بن حضير ، فعلى هذا فقوله في رواية عروة الآتية : فوجدها أي : بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره ، وقال النووي : يحتمل أن يكون فاعل : وجدها ، هو النبي ، وقد بالغ الداودي في توهيم رواية عروة ، ونقل عن إسماعيل القاضي أنه حمل الوهم فيها على عبد ا بن نمير ، وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين ولا وهم . فإن قلت : في رواية عمرو بن الحارث : ( سقطت قلادة لي ) ، وفي رواية عروة الآتية عنها : أنها استعارت قلادة من أسماء يعني أختها فهلكت ، أي : ضاعت ، فكيف التوفيق ههنا ؟ قلت : إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها ، وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريح عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام الأول : أن بعضهم استدل منه على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه ، وسلوك الطريق الذي لا ماء فيها ، وفيه نظر ، لأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها ، ويحتمل أن النبي لم يعلم بعدم الماء مع الركب ، وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه ، ويحتمل أن يكون معنى قوله : ( ليس معهم ماء ) أي : للوضوء ، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون كان معهم . الثاني : فيه شكوى المرأة إلى أبيها ، وإن كان لها زوج ، وإنما شكوا إلى أبي بكر ، رضي ا تعالى عنه ، لكون النبي كان نائماً ، وكانوا لا يوقظونه ، كذا قالوا . قلت : يجوز أن تكون شكواهم إلى أبي بكر دون النبي خوفاً على خاطر النبي من تغيره عليها . الثالث : فيه نسبة الفعل إلى من كان سبباً فيه لقولهم : ألا ترى إلى ما صنعت ؟ يعني : عائشة . الرابع : فيه جواز دخول الرجل على ابنته ، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك ولم يكن حالة المباشرة . الخامس : فيه تأديب الرجل ابنته ولو كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته ، ويلتحق بذلك تأديب من له تأديبه وإن لم يأذن له الإمام . السادس : فيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة إذ يحصل به التشويش لنائم ، وكذا المصلي أو قارىء أو مشتغل بعلم أو ذكر . السابع : فيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد كان واجباً عليه . الثامن : فيه أن طلب الماء لا يجب إلاَّ بعد دخول الوقت ، لقوله في رواية عمرو بن الحارث ، بعد قوله : ( وحضرت الصلاة فالتمس الماء ) . التاسع : فيه دليل على أن الوضوء كان واجباً عليه قبل نزول آية الوضوء ، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء ، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع ، وقال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ منذ فرضت عليه الصلاة إلاَّ بوضوء ، ولا يدفع ذلك إلاَّ جاهل أو معاند . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك ، ما الحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به . قلت : ليكون فرضه متلواً بالتنزيل ، ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديماً فعملوا به ، ثم نزلت بقيتها وهو ذكر التيمم في هذه القصة ، فإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض ، لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث ، فنزلت : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) * إلى قوله : * ( تشكرون ) * ( المائدة : 6 ) تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة ، ويقال : كان الوضوء بالسنة لا بالقرآن أولاً . ثم أنزلا معاً ، فعبرت عائشة بالتيمم إذ كان هو المقصود . فإن قلت : ذكر الحافظ في كتاب ( البرهان ) أن الأسلع الأعرجي الذي كان يرحل للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً : إني جنب وليس عندي ماء ، فأنزل ا آية التيمم . قلت : هذا ضعيف ، ولئن صح فجوابه يحتمل أن يكون قضية الأسلع واقعة في قضية سقوط العقد ، لأنه كان يخدم النبي ، وكان صاحب راحلته ، فاتفق له هذا الأمر عند وقوع قضية سقوط العقد . العاشر : فيه دليل على وجوب النية في التيمم ، لأن معنى : ( تيمموا ) اقصدوا ، وهو قول فقهاء الأمصار إلاَّ الأوزاعي وزفر . الحادي عشر : فيه دليل على أنه يستوي فيه الصحيح والمريض والمحدث والجنب ، ولم يختلف فيه علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب ، وقد كان عمر بن